نصر الله : مم تحرير الجنوب الى اغتيال الضاحية..قراءة في ارث لا يغتال
في السابع والعشرين من أيلول/سبتمبر 2024، الموافق 23 ربيع الأول 1446هـ، حاول العدو الإسرائيلي أن يكتب نهاية لمسار امتد ثلاثة عقود، حين استهدف بعشرات الأطنان من المتفجرات مقر القيادة المركزية لحزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت، ليعلن في اليوم التالي استشهاد الأمين العام السيد حسن نصر الله. لكن من يقرأ هذا الحدث بعين سياسية-أمنية متأنية، يدرك أن الاغتيال بحد ذاته كان اعترافاً ضمنياً بحجم الرجل، لا مجرد عملية عسكرية عابرة.

كيف استُشهد: عملية استخباراتية لا معركة ميدانية
لم يكن استهداف السيد نتيجة مواجهة مباشرة، بل نتاج عملية استخباراتية معقدة استغل فيها الاحتلال ثغرة أمنية للوصول إلى مكان الاجتماع، قبل أن يُطلق موجة غارات كثيفة على مبانٍ سكنية مأهولة، ليسقط معه عدد من القيادات، بينهم القائد علي كركي والسيد عباس نيلفروشان. هذا النمط من الاغتيالات -الذي استهدف قبله وبعده قيادات في المقاومة- يكشف عن سياسة إسرائيلية قائمة على “الاغتيال كأداة استراتيجية” حين يعجز الميدان عن تحقيق الحسم، وهو ما يفسّر أيضاً حرص الكيان على توقيت الضربة في لحظة إقليمية دقيقة، وسط تصعيد متعدد الجبهات بعد “طوفان الأقصى”.

الإنجاز الذي لم يمحُه الاغتيال
لا يمكن قراءة شخصية السيد بمعزل عن محطات فارقة غيّرت موازين القوى في المنطقة:
تحرير جنوب لبنان عام 2000، إذ أجبرت المقاومة بقيادته جيش الاحتلال على انسحاب غير مشروط، لأول مرة في الصراع العربي-الإسرائيلي، دون مفاوضات ودون ثمن سياسي.
صفقات تبادل الأسرى واستعادة جثامين الشهداء عام 2004، في إنجاز تفاوضي غير مسبوق.
حرب تموز 2006، حين صمد لبنان 33 يوماً أمام آلة عسكرية متفوقة، وخرجت المقاومة بما اعتُبر انتصاراً استراتيجياً أعاد تعريف معادلات الردع في المنطقة.
هذه المحطات لم تصنع “شعبية” السيد فحسب، بل أسّست لمعادلة ردع ظلت قائمة لسنوات، وهي ما حاول الاغتيال كسرها.
الفئة الباغية: من نفّذ ولماذا
الاغتيال نفّذته قوات الاحتلال الإسرائيلي مباشرة، في إطار ما سُمّي إعلامياً “حرب لبنان الثالثة”، ضمن مسار تصعيدي شمل استهداف قيادات الصف الأول في حزب الله، بدعم استخباراتي ولوجستي غربي غير معلن رسمياً لكنه موثّق في تقارير متعددة. الرد لم يتأخر: من “عملية الوعد الصادق 2” الإيرانية التي استهدفت قواعد إسرائيلية، إلى سلسلة عمليات نفذها حزب الله لاحقاً، في رسالة مفادها أن الاغتيال، مهما بلغ حجمه الرمزي، لا يُنهي مساراً بل قد يُعيد إنتاجه بصورة أخرى.

الإرث السياسي: ما بعد الرجل
ما يميز حالة نصر الله عن غيره من القادة المُغتالين هو أن مشروعه لم يكن مبنياً على شخصه فقط، بل على مؤسسة وخط سياسي-عقائدي متكامل، وهو ما يفسّر استمرار الحزب في أداء وظيفته بعد غيابه، وإن بكلفة تنظيمية وأمنية باهظة. القراءة الموضوعية تقول إن الاغتيال أربك المشهد لحظياً، لكنه لم يُفكك المعادلة الإقليمية التي بناها على مدى ثلاثة عقود.
ختاماً:
في كل ذكرى، لا يكفي الحزن أو الاستذكار العاطفي؛ فالوفاء الحقيقي لرجل بحجم نصر الله يُقاس بمدى القدرة على قراءة المرحلة كما كان يقرأها هو: بعين استراتيجية بعيدة المدى، لا تكتفي برثاء الغياب، بل تسأل: كيف نحوّل هذا الإرث إلى مشروع مستمر في مواجهة تحديات لا تزال قائمة

